أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

287

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 195 ] فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ( 195 ) قوله تعالى : أَنِّي لا أُضِيعُ : الجمهور على فتح « أنّ » والأصل : بأني ، فيجيء فيها المذهبان . وقرأ أبيّ : « بأني » على هذا الأصل . وقرأ عيسى بن عمر بالكسر وفيه وجهان : أحدهما : أنه على إضمار القول أي : وقال إني . والثاني : أنه على الحكاية ب « استجاب » لأن فيه معنى القول ، وهو رأي الكوفيين . واستجاب بمعنى أجاب ، ويتعدّى بنفسه وباللام ، وتقدّم تحقيق ذلك في قوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي « 1 » . ونقل تاج القرّاء أن « أجاب » عام ، و « استجاب » خاص في حصول المطلوب . والجمهور : « أُضِيعُ » من أضاع . وقرىء بالتشديد والتضعيف ، والهمزة فيه للنقل كقوله : 1521 - كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت * بني بطنها ، هذا الضّلال عن القصد « 2 » قوله : مِنْكُمْ في موضع جر صفة ل « عامِلٍ » أي كائن منكم . وأمّا مِنْ ذَكَرٍ ففيه خمسة أوجه : أحدها : أنها لبيان الجنس ، بيّن جنس العامل ، والتقدير : الذي هو ذكر أو أنثى ، وإن كان بعضهم قد اشترط في البيانية أن تدخل على معرّف بلام الجنس ، وقد تقدّم شيء من ذلك . الثاني : أنها زائدة لتقدّم النفي في الكلام ، وعلى هذا فيكون « مِنْ ذَكَرٍ » بدلا من نفس « عامِلٍ » كأنه قيل : عامل ذكر أو أنثى ، ولكن فيه نظر من حيث إنّ البدل لا يزاد فيه « مِنْ » . الثالث : أنها متعلقة بمحذوف ؛ لأنها حال من الضمير المستكنّ في « مِنْكُمْ » ، لأنه لمّا وقع صفة تحمّل ضميرا ، والعامل في الحال العامل في « مِنْكُمْ » أي : عامل كائن منكم كائنا من ذكر . الرابع : أن يكون « مِنْ ذَكَرٍ » بدلا من « مِنْكُمْ » ، قال أبو البقاء « وهو بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة » يعني فيكون بدلا تفصيليا بإعادة العامل كقوله : لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ « 3 » لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ « 4 » . وفيه إشكال من وجهين : أحدهما : أنه بدل ظاهر من حاضر في بدل كلّ من كل وهو لا يجوز إلا عند الأخفش . وقيّد بعضهم جوازه بأن يفيد إحاطة كقوله :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 186 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 3 / 143 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 75 ) . ( 4 ) سورة الزخرف ، آية ( 33 ) .